وداعا
د. أحمد... وداعا لحكيم وفارس
القدس
|
|
بقلم: عمر دعنا
هو فارس القدس بلا منازع، فلعلها
أقل الألقاب التي تمنحه إياها
مدينته التي ولد فيها وناضل من
أجلها كما ناضل من أجل قضيته
العادلة وناضل من أجل شعبة، وسجن
وعذب طوال سنوات عمره، ودفع حياته
ثمنا لعدالة القضية ولم يبخل في
روحه النقية الحالمة المفعمة
بالروح الثورية دفاعا عن القضية
والوطن.
نعم، هو حكيمها، بكل ما حمله
من قيم ومبادئ ومواقف حكيمة
ومتزنة لا تعرف الحدود، فلقد كان
الجميع يلتف من حوله وكان لحضوره
قيمة ومضمون في إي مناسبة وطنية،
أو رسمية أو أي مناشطة أو فعالية
يشارك فيها، تكون لكلماته وآرائه
آذانا صاغية يقف الجميع لها
احتراما وتقديرا، بل إن لم تجعل
الكثيرين يستفيقون من واقعيتهم أو
حيدهم عن الطريق أو البوصلة أو
التخبط في بعض الأحيان.
لن أتحدث عن خسارة الشعب
الفلسطيني عامة وفقراءه ومهمشيه
خاصة الذين كان دائما منتميا لهم
ولهمومهم وآلامهم، ولن أتحدث عن
خسارة المجتمع الأهلي الفلسطيني
لقيادي بارز مناضل ثابت على
مواقفه المبدئية التي قلت وندرت
في مثل هذا الزمان، وأحد أعمدة
العمل الأهلي الشعبي المقاوم
الفلسطيني، ولن أتحدث عن خسارة
المجتمع الدولي وأصدقاء الشعب
الفلسطيني لقائد حمل همٌ شعبه على
أكتافه ودار يجول فيه العالم
العربي والغربي ينقل فيه معاناة
شعبه ويدافع عن عدالة قضيته بكل
حزم ومواقف مبدئية لا تعرف
الاستسلام والمحاباة وبيع المواقف
والقيم في زمن كما يحب أن يصفه
الكثيرون بزمن التراجع والانكسار
وزمن الواقعية الإنبطاحية
المتخاذلة.
|
|
|
|
سأتحدث عن القدس وكم خسرت هذه
المدينة إبناً لها ومناضلا من
أجلها، وكم خسر أهلها بكافة
أطيافهم السياسية والاجتماعية
والدينية وقطاعاته العمالية
والنقابية من مرأة وشباب وعمال
ونقابيين وغيرهم وعلى أهمهم فقراء
القوم منهم، سأتحدث بقليل من
العبارات والتي أعلم بأنها تصدر
من قبل شاب فلسطيني قد لا يكون
مدركا وملما بكافة تفاصيل وتاريخ
هذا الرجل الحكيم وفارس مدينتها،
فأنا على قناعة بأن القدس ستحفظ
في قلب صفحاتها تاريخ هذا الرجل
وعطاءه لها.
فالقدس التي ستبقى تعاني
القهر والحزن والجرح والألم
العميق على فراق أحد أبرز قادتها،
والمدافعين عنها وعن تاريخها
وعروبتها، عن قائد لا تعرف
الشعارات النظرية له مكانا، الذي
كان دوما يحول أفكاره إلى فعل
ملموس على الأرض.
إن رحيل حكيم القدس أحمد مسلماني
عنها هو خسارة لا يمكن وصفها، ولا
يمكن لأي كان أن يعبر عنها من
خلال بضع كلمات أو كتاب أو مجلد
يؤرخ تاريخ هذا الرجل.
ولكن من أجل التاريخ سأضع بين
أيدي الحريصين على القدس كلمة
ألقاءها ومواقف أعلنها فارس وحكيم
القدس في كلمة بالذكرى الأربعين
لاحتلالها في الخامس من حزيران من
العام المنصرم، ستبقى بوصلة لنا
تنير للقدس طريقا نحو الحرية
وستظل ترفرف وتحرس أسوارها (أقتبس
منها بضع فقرات علها تتحدث عما
يحمله هذا الرجل):
((في العام 1967 استكملت الحركة
الصهيونية مشروعها الكولونيالي
باحتلال كامل الوطن الفلسطيني،
وأضافت لاحتلالها أراضٍ عربية
أخرى. وسنة بعد سنة، يجدد المشروع
الصهيوني نهمه لمزيد من الهيمنة
والتحكم، ليس فقط بالأرض
الفلسطينيين بل والعربية، لتتأكد
الحقيقة القديمة/ الجديدة: إن
أخطار المشروع ، وإن بدت تطال
فلسطين مباشرة، غير أنها تطال
أيضاً المنطقة العربية في
استهدافاته أبعادا إقليمية أكثر
فأكثر.
لذلك كان وسيبقى حق الفلسطيني في
العودة لوطنه الذي هُجر منه، هو
مفتاح الحل العادل للقضية
الفلسطينية، وكلما حاول أحد ما،
أو جهة سياسية ما، العبث بذلك
المفتاح جوبه برفض شعبي فلسطيني،
إن هذا الطابع يلقي مسئوليات
ومهام على كافة أدوات العمل
الوطني والمجتمعي، إن لم ترتق
لمستواها فلن تكون جديرة بموقعها
القيادي في المجتمع، وخاصة في
القدس، حيث تحتل القدس مكانة هامة
في المشروع الصهيوني، فمنذ اليوم
الأول لاتخاذ قرار ضمها وسياسة
الصهاينة ثابتة فيها: تهويد
المدينة وأسرلة سكانها لتوفير
أغلبية عرقية يهودية عبر التطهير
العرقي للفلسطينيين هناك. وبذلك،
تكون الحلقة الجوهرية من المشروع
الصهيوني، الطرد والإحلال، تتجسد
في مدينة القدس على أكثر ما يكون
وضوحاً. ويعلنون أنهم بصدد توفير
أغلبية يهودية ساحقة بحلول العام
2020، وكل سياساتهم وإجراءاتهم في
قطاعات الصحة، التعليم، الضرائب،
الإسكان، تسجيل المواليد.... كلها
تصب في خانة واحدة وإن لم
يعلنونها دائماً بالوضوح: إيجاد
ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية
طاردة للمواطنين المقدسيين.
إن القدس ولاستثنائية وضعها،
ولأهمية مكانتها، ينبغي أن تحظى
باهتمام وطني ومجتمعي خاص، رسمي
وشعبي ينأى بها عن المناكفات
الفصائلية ومحاولات الهيمنة، ويضع
قضيتها على سكة النضال اليومي
الدؤوب دفاعاً عنها.
إن الحقائق حول ما يجري في القدس
تنذر بحجم الكارثة الوطنية
والإنسانية التي تحيق
بالفلسطينيين، لقد جرى، ويجري
اتخاذ الإجراءات العلنية للتهجير
(قوانين السكن وتراخيص البناء
وتسجيل المواليد...) وكذلك سلسلة
من الإجراءات الهادفة لخلق ظروف
محفِّزة على الهجرة من القدس (الأوضاع
في قطاعات الصحة والتعليم والشئون
الاجتماعية...). واليوم، باتت
البنية المؤسساتية في القدس مدمرة
نتيجة عزلها عن محيطها الطبيعي
وتتخذ إجراءات وملاحقات بوليسية،
لمن يسعى لتطوير العمل المؤسساتي
أو حتى تقديم خدمات إنسانية!!!)).
وقد تحدث عن إنجازات شبكة
المنظمات الهلية التي كان من أحد
مؤسسيها وقياداتها قائلا:
((رغم الظروف المحيطة بكافة
تعقيداتها السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، حاولتنا الاستمرار
بأنشطتها المختلفة بالاستناد الى
رؤيتها ورسالتها الجامعة بين
الدور الوطني والدور التنموي ودور
البناء الديمقراطي الداخلي. وإن
كان أحد الأدوار قد برز على حساب
الأدوار الأخرى، فإنما يعود ذلك
الى طبيعة المرحلة وضرورة
الاستجابة لاحتياجات وأولويات
المجتمع المحلي.
هذا وقد برزت القدرات الذاتية
الجدية للمؤسسات الأعضاء (شبكة
المنظمات الأهلية) في مواجهة هذه
المرحلة بتعقيداتها المختلفة،
وانخرط الأعضاء بدور فعال في لجان
الشبكة المختلفة، ومحاور العمل
الرئيسية
أولا: المساهمة في النشاط الوطني
العام: يتجسد هذا المحور بشكل عام
في حشد الدعم والمناصرة وتحريك
التضامن الدولي مع الحقوق الشرعية
الفلسطينية، وتشكيل قوى ضغط دولية
باتجاه دعم هذه الحقوق. تنظيم
لقاءات مع مندوبي البعثات الدولية
لاطلاعهم على الأوضاع السياسية
والاقتصادية والاجتماعية
والحقوقية في الأراضي المحتلة
ثانيا: تعزيز البناء الديمقراطي
الداخلي والاصلاح: تطوير رؤية
تنموية لمؤسسات المجتمع المدني
الفلسطيني، وبلورة موقف يتعلق
بعلاقة القطاع الأهلي الفلسطيني
بالجهات المانحة، وتنظيم لقاءات
قطاعية لبلورة رؤى تنموية مشتركة
في القطاعات المختلفة، وعقد
لقاءات تنسيقية لمؤسسات حقوق
الانسان بهدف التنسيق للقيام
بأنشطة تقوي دور المجتمع المدني.
وعملت منظمات المجتمع المدني خلال
العقود الماضية في ظل وضع متغير
وواكب عملها العديد من التعقيدات
والمحددات والنجاحات والإخفاقات
ومما لاشك فيه أن الوضع الحالي
وما يترتب عليه من تبعات سواء على
الصعيد السياسي الخارجي أو على
صعيد الأداء الداخلي سيضع تحديات
كبيرة وربما جديدة من حيث نوعيتها
أمام المجتمع المدني الفلسطيني في
القدس، ومن المؤكد أن ذلك يتطلب
إعادة النظر في الدور والآليات
التي تعمل من خلالها مؤسسات
المجتمع المدني لتستطيع أن تلعب
دورا استراتيجيا في حياة المجتمع
الفلسطيني المقدسي.
وفي إطار التفاعل بين مكونات
المجتمع المختلفة وفي إطار البناء
والتأسيس لتجربة ديمقراطية ذات
خصوصية فلسطينية تشكلت أرضية
وقواعد وأسس العلاقة بين مؤسسات
المجتمع المدني الفلسطيني.
1. التغير في البيئة السياسية
والتنموية المحيطة بالمنظمات
الفلسطينية خلال العشر سنوات
الماضية وتحديدا منذ قيام السلطة
الوطنية الفلسطينية في القدس، و
التغير الجوهري في البيئة
التمويلية..
2. استمرار الاحتلال الاسرائيلي
الذي يقتضي من منظمات المجتمع
المدني أن تركز عملها على
المقاومة المدنية بكافة اشكالها.
3. التغيير في حجم القطاع الأهلي
في القدس، خاصة في مجال الخدمات،
سواء على الصعيد الاجتماعي، الصحي،
التنموي، والاعلامي...
4. الدفاع عن الحريات الفردية
الجماعية وحركات الحقوق المدنية
حرية التشكل والتنظيم لفئات
المجتمع المختلفة وانخراطها في
الدفاع عن حقوقها المدنية
والاجتماعية والاقتصادية.
5. الدور الوطني لمؤسسات المجتمع
المدني وقدرتها على حشد التعاون
الدولي مع الشعب الفلسطيني
وممارسة دور فاعل في الدفاع عن
مصالح الشعب الفلسطيني في القدس
والانخراط في الكفاح المدني
المقاوم للاحتلال الإسرائيلي
وتجلياته المختلفة.
وكل ما يجري في القدس يقرع ناقوس
الخطر. إننا في مؤسسات المجتمع
المدني ندعو إلى:
1- تأسيس عنوان وطني موحد يأخذ
ملف القدس على عاتقه.
2- وضع خطة تنموية للقدس يكون
عنوانها وهدفها تعزيز صمود وبقاء
المقدسيين في مدينتهم.
3- إطلاق حملة إعلامية تُبقي
موضوع القدس حاضراً في وسائل
الإعلام واهتمامات الرأي العام،
وإيلاء اهتمام خاص بالجدار
العنصري بالتركيز على الدعوة
لتنفيذ توصية قرار محكمة لاهاي
بخصوص هدم جدار الفصل العنصري.))
|
|
وقال أيضا: ((كي لا تكون ذكرى
أربعين عاماً على الاحتلال محض
ذكرى تستحضر الخطابات النارية
والوعود والتعهدات..ينبغي أن تكون
وقفة لمراجعة مسيرة أربعون عاماً
على إنطلاق المشروع الوطني
المعاصر كي تتسلح الأجيال
الفلسطينية، لما كان الصراع طويلاً
وشاقاً، برؤية ثاقبة لا تعيد
ارتكاب ذات الأخطاء، ولا تدفع
بالضرورة، ذات الثمن الذي دُفع
حتى اللحظة.
لم تنفع الشعب الفلسطيني كل
التنازلات التي قُدمت والتي لم
تمنحنا شيء من حقوقنا حتى الآن،
وبعضها جوهري، لم تنفع في انتزاع
ما هو أقل من الأقل من الحد
الأدنى من الحقوق.
وبالمقابل، لا المجتمع الدولي
يبدي تفهماً أكثر لحقوقنا، ولا رد
على عقلانيتنا إلا بالجدار
العنصري وتدمير المجتمع الفلسطيني،
مؤسسات وبنية تحتية.
إن كل سلوك دولة الاحتلال منذ
توقيع اتفاق أوسلو حتى اليوم أكثر
شمولية وأبعد عمقاً، للمشروع
الصهيوني الأساس، ويتحفظ الصهاينة
الآن على خطة أمنية أمريكية
تدعوهم إلى رفع بضعة حواجز، لا
إنهاء الاحتلال مثلاً!!!
تجديد المشروع الوطني لا يمكنها
أن تتم بمعزل عن إعادة بناء منظمة
التحرير. واليوم إذ تتخذ القرارات،
وما أكثرها، لإعادة بناء منظمة
التحرير فيهمنا التأكيد على إعادة
بناء منظمة التحرير ينبغي أن تكون
جزءاً صميماً من إعادة الاعتبار
للمشروع الوطني الفلسطيني،
برنامجاً وأدوات.))
وعذرا دكتور أحمد لأنني اقتبست
جزءا من كلماتك، لا لشيء، فقط لكي
يسجل التاريخ مواقفك التي قدت
فيها العمل الأهلي التنموي من أجل
وطنك ومدينتك القدس التي دعا في
نهاية لكته للوحدة الوطنية ووحدة
الصف الداخلي في مواجهة الاحتلال.
هنا، أقول بأننا اليوم مطالبون
بأن نحمل رسالة هذا الحكيم،
المبدئي، وأن نعاهد أنفسنا أولا
كأفراد ومؤسسات بأن نحمل الهمَ
الذي حمله هذا القائد وأن نسير
على دربه وخطاه التي كان يحملها
من أجل القدس، ومن أجل وطنه وشعبه،
وأنا أدعوا بأن يكون العام الحالي
الذي أصر فيه الحكيم عاما لرفع
شعار العودة وإنهاء الاحتلال
والذي يكون بحلوله قد اقترب شعبنا
من ستين عاما على الاحتلال،
وأربعون عاما على الاحتلال الكامل
للقدس والضفة وغزة، إننا مطالبون
بأن نرفع هذا الشعار (ستون عاما
على الاحتلال ونكبة شعبنا) إكراما
لحكيمها وفارسها، وإكراما لأرواح
من قدموا حياتهم من أجلها، كما
أننا مطالبون أيضا بأن يكون عام
2009 والذي ستشهد فيه القدس
مظاهرة ثقافية بأن يكون فارسها
وحكيمها محلقا في سماءها، وقائدا
وفارسا يجول في أزقتها ويعلنها
قدسا عربية فلسطينية حرة أبية على
الاحتلال، وهنا إكراما له أيضا
لأنه أصرَ بأن يكون العمل الأهلي
الفلسطيني الجاد والملتزم
بالثوابت الوطنية والمؤسسات
الوطنية الفلسطينية حاضرة في هذه
المناسبة المهمة لشعبنا، (وبعيدا
عن الفصائلية التي باتت معهودة
للأسف)، بأن يكون إسم حكيمها
وفارسها على رأس هذه التظاهرة
الثقافية تخليدا له ولعطائه لها.
كما أنني أدعوا أصدقاء الشعب
الفلسطيني في الخارج وأصدقاء حكيم
القدس وفارسها بأن يجعلوا من هذا
الرمز لقائد القدس شعارا يتمثلون
فيه في كل مناسبة يتضامنون فيها
مع شعبنا الفلسطيني، وأن يكون
رمزا للقائد الوطني الفلسطيني
الذي لم يعرف يوما معنى للتعب أو
الملل..
وأقول في النهاية لحكيم القدس
وفارسها أنني شخصيا لا أقبل أن
أعزيك، ولعل رحيلك الجسدي عنا
ورغم كل ما يسببه لي ولكل محبيك
ولكل المبدئيين وإن قلوا في مثل
هذا الزمن الصعب، إلا أنني أعاهدك
كما هم شباب القدس، كما هم أبناءك
ومحبيك كما هم المبدئيين لثوابت
شعبنا ونضالاته بأن نحمل رايتك
وأن نحمل القيم والثوابت التي
علمتنا إياها، وزرعتها فينا
ممارسة، وكنت دائما في المقدمة،
فنم قرير العين أيها الشهيد
الحكيم فارس القدس وحارسها الأمين.
* الكاتب يعمل في لجان العمل
الصحي- رام الله.abu_gevara80@hotmail.com
|
|
|
|
|