cv Told About news visitors contact us
الصحة والأمن أمران مترابطان

النظام الصحي الفلسطيني في خطر الانهيار

د. أحمد المسلماني
 

لقد جعلت العولمة العديد من الناس في جميع أنحاء العالم يجنون فوائد الكفاءة، وخاصة في مجالي النقل والتجارة، وفي عالم تسوده العولمة المتوحشة تشكل القضايا الصحية تحديات جدية تتجاوز بكثير الحدود الوطنية، ولها تأثيرها على الأمن الجماعي للناس في كافة أنحاء العالم، إن موضوع يوم الصحة العالمي هذا العام " الأمن الصحي الدولي" ، أي ضرورة الحد من سرعة تأثر الناس بالمخاطر الجديدة أو الشديدة أو السريعة الانتشار والتي تحدق بالصحة.

كما ويحتفل الشعب الفلسطيني اليوم بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني في ظل حصار خانق شل جميع نواحي الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما ترتب عليه اختلالاً هيكلياً في كافة القطاعات الحكومية والأهلية والخاصة، وتدهور البنية التحتية والخدمات الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، كما واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاتها لحقوق المواطنين واعتداءاتها اللامتناهية والهمجية.

القضية الأولى : الاحتلال الإسرائيلي.


وفي هذا اليوم يتجدد بحث أطفالنا عن طفولتهم المسلوبة وأحلامهم المحطمة، يستذكرون معاناتهم ومعاناة أقرانهم على يد الاحتلال من عنف وبطش، فقد استشهد ما يقارب 1000 طفل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، والاحتلال يحتفل بـ 60 عاماً على نكبة الشعب الفلسطيني وطرده من دياره واحلال المستوطنين مكانه، و40 عاما على احتلال أراضي 1967 أي استكمال احتلال فلسطين، بممارسة كافة أشكال البطش والتطهير العرقي، ويفرض قيوداً على الوصول والحركة، وارتفاع وتيرة الاجتياحات وعمليات المداهمة والاعتقال، وتأثيرات التوسع في بناء جدار الضم والفصل العنصري، كل ذلك لا يزال يمثل السبب الجذري للفقر والضائقة. كما ويواصل الحصار المالي الدولي أضراره وتأثيره في قدرة الحكومة والمؤسسات الأهلية الخاصة على تقديمهم الخدمات الصحية والاجتماعية، والعملية العسكرية التي جرت في نابلس مطلع الشهر الماضي تركت وراءها أعداداً كبيرة من الأطفال في ضائقة نفسية، وتسود مستويات عالية من عدم الأمان والخوف إلى جانب تقلص شديد في مساحات اللعب والترفيه الأمن، والمدارس تكافح لكي تواصل العمل في بيئة تفتقر إلى الأمان، مما أثر على معدلات التسرب المدرسي ومستويات العنف ، ويضاف إلى التهديد الحقيقي في أمن أطفالنا ومجتمعنا.

وتسود الأوضاع الصعبة منذ زمن طويل، إلا أن المستويات الحالية من الفقر والبطالة وغياب الأمان قد وصلت إلى درجات انحدار خطرة، فالأسر تعاني من الضائقة بشكل ملموس، وبدأت تظهر علامات حادة للضائقة لدى أطفالهم، فهم يعيشون في تقلب شديد وشقاء في كثير من الأحيان، ويقول الأطفال أن لديهم القليل مما يأملون فيه والكثير مما يخافونه، وخاصة حقوق الإنسان، وخاصة حقوق الطفل، لا تزال تتعرض إلى انتهاكات شديدة وبأشكال متعددة سواء تعلق الأمر بحقهم في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة والملائمة أو التعليم النوعي أو الحياة الآمنة والصرف الصحي أو فرص الترفيه أو الحماية من كل أشكال الإيذاء.

القضية الثانية : الوضع الصحي.

ومنذ أن شرعت قوات الاحتلال ببناء الجدار العنصري لحقت أضرارا ً جسيمةً بإمكانية الوصول إلى المراكز الصحية وإلى الأطباء والمستشفيات والمرافق الصحية المتقدمة، ما شكل مسا بالحقوق المدنية والصحية لأكثر من نصف مليون فلسطيني، وعزل 71 عيادة صحية، وحرم 132 ألف طفل من الرعاية اللائقة كالتطعيم والرعاية الطبية، وزادت معاناة أكثر من 117600 امرأة حامل من بينهم أكثر من 17640 امرأة في وضع الحمل الخطر.
إن المؤسسات الصحية الرسمية والأهلية تعمل جاهدة لتخطي أزمة الحصار السياسي والاقتصادي الراهن، والتي تهدد بالانهيار الكامل للنظام الصحي، ومن ضمنها أزمة الرواتب للعاملين في النظام الصحي الحكومي، والتربية.

• معدل انتشار مرض الكساح أكثر من 4.1% بين الأطفال أقل من 3 سنوات.
• معدل فقر الدم للأطفال 48%.
• معدل فقر الدم للحوامل 38.5%، وللمرضعات 45.7%.
• معدل الأمراض والإضطرابات النفسية ارتفع أكثر من 120% عن ما قبل 5 سنوات.
• ثلث السكان يعانون من صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.
• أكثر من 3000 طفل يموتون سنويا أعمارهم أقل من 5 سنوات.
• الولادة المنزلية 7.6%.

القضية الثالثة : الفقر والبيئة.

ميزانية وزارة الصحة الفلسطينية في انخفاض، وكمية المخزون من الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية وصلت إلى مستويات حرجة، فقد نفذ المخزون الكلي (أكثر من 15% من الأدوية الأساسية) ، ويستخدم المستوطن عشرة أضعاف كمية المياه التي يستخدمها الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي، ويعيش معظم الفلسطينيين على نصف كمية المياه ( 70 لتر يومياً) اللازمة لأغراض الشرب والطهي والتنظيف والاستحمام حسب منظمة الصحة العالمية.
ولا تزال القيود على الوصول والحركة تمثل تحدياً أمام المرضى والعاملين في الصحة، ووصول الطلبة والمعلمين والمعلمات إلى المدارس، والعمال إلى أعمالهم، فقد تسببت الحواجز العسكرية بمقتل 150 طفل وسيدة وشيخ مسن من مرضى القلب والكلى والسكري، واستشهد من الأطقم الطبية والصحية 36، وما زال 330 طفلاً في الأسر، و118 أسيرة، بالإضافة إلى حوالي عشرة الالآف أسير فلسطيني وعربي، ويصيب سوء التغذية المزمن 10% من الأطفال دون الخامسة، ويزداد الوضع حدة في قطاع غزة حيث يوجد 50 ألف طفل مصاب بسوء التغذية، ويعاني نصف إجمالي عدد الأطفال دون الثانية من العمر من فقر الدم، وثلثيهم يعانون من نقص فيتامين أ، وتبلغ نسبة الفتيات الحوامل أو اللواتي أنجبن طفلاً ممن أعمارهم أقل من 18 عاماً قرابة 10%، ويعاني أطفال ثلث الأسر من القلق والوسواس القهري أو الاكتئاب.


القضية الرابعة : الأمراض والوفيات.

أ. الأمراض المعدية

مسئولة عن 10.3% من الوفيات
الأمراض المستوطنة :
• التهاب السحايا.
• الحمى المالطية.
• التهاب الكبد الوبائي (A,B) .
• السل الرئوي.
• إيدز (متلازمة نقص المناعة المكتسبة) 3 جديدة.
 

ب. الأمراض المزمنة

• 9%من البالغين يعانون من مرض السكري.
• 13.8% سرطان الرئة والقصبة الهوائية السبب الأول للمراضة بالأورام بين الذكور.
• 31.4% سرطان الثدي السبب الأول للمراضة بالأورام بين الإناث.


ج. أسباب الوفاة للكبار

• 21% أمراض قلب.
• 11% أمراض أوعية دموية ودماغية.
• 10.3% أورام و سرطان.
• 8.6 % وفيات الرضع حديثي الولادة.
• 6.9% أمراض جهاز تنفسي.
• 5.4% نتيجة الحوادث.
• 5% عيوب خلقية (تشوهات).
• 4.8% ارتفاع ضغط الدم.
• 3.1% سكري.


د. أسباب وفيات الأطفال الرضع أقل من عمر سنة

• الولادة المبكرة ونقص الوزن 24.7%.
• أمراض الجهاز التنفسي 21.8%.
• تشوهات خلقية 21%

و. أسباب وفيات الأطفال تحت 18 سنة

• الحوادث (السيارات، الحرب، البيئة، نزاعات داخلية) 21%.


القضية الخامسة : النظام الصحي الفلسطيني

ُتعد النظم الصحية الجيدة الأداء هي حجر الزاوية في بناء الأمن الصحي، ويتمثل غرضها في توفير أعلى مستوى ممكن من الحماية والرعاية للسكان، وهي أيضا نظام الترصد للأمراض المعدية والمزمنة، بما فيها البنية التحتية والسياسات التنموية التي تضع الصحة العامة في الحسبان كوسيلة قوية من وسائل الأمن الصحي، ومنع حدوث كوارث جراء الاحتلال من جهة والداخلية من طبيعية ونزاعات من جهة أخرى.

فما زال النظام الصحي الفلسطيني يعاني من ضعف أنظمة وبرامج الكشف المبكر للأمراض المزمنة (الأورام، السكري، ضغط..) والمعدية، في وقت يعاني نظام الرصد الوبائي من بيروقراطية وضعف شديدين، وما زال غياب المساءلة والشفافية والعدالة في سياسة التوظيف والتعيينات تشكل السياسة العامة، بما فيها ضعف النظام الإداري والتدريب، على الرغم من وجود 40% من العاملين يصنفون كإداريين، (13 ألف يعملون في وزارة الصحة).

ويعاني النظام الصحي من الشرذمة والازدواجية في تقديم الخدمات الصحية، خاصة في السياسات والتخطيط والمعلومات والبحث الصحي، وحسب وزير الصحة الذي كان صرح قبل أسبوع "لا نمتلك مؤسسة صحية حقيقية"، بما فيها ضعف الميزانيات لوزارة الصحة وتراجع الالتزامات، وقد تعاظمت الاحتياجات جراء ممارسات الاحتلال من جهة، والحالة الاقتصادية والفقر من جهة أخرى.


خاتمة :

الهدف من إعداد هذه الورقة، وبمناسبة يومي الصحة والطفل هو إثارة النقاش الداخلي حول الحقائق الصحية المؤلمة للشعب الفلسطيني، وخاصة الطفل، مع صانعي القرار في المؤسسات الرسمية والأهلية والقوى الوطنية والشعبية من جهة، وتفعيل حملة التضامن العربي والدولي مع الشعب الفلسطيني بخصوص الأمن الصحي الفلسطيني

إن مؤسستي لجان العمل الصحي والحق، ومعهما كافة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني تؤكد :

1. إن استناد دولة الاحتلال الإسرائيلي لقرار التقسيم واعتماده كشرعية دولية لوجودها يفرضان عليها بشكل بديهي الالتزام بالقرار كحل شامل من دون اجتزاء أو انتقاء، بما في ذلك الانسحاب من الأراضي المحتلة وضمان الحقوق المدنية الفلسطينية، وهذا هو القرار الكاشف للحق، وعلى الدول الأعضاء والأطراف السامية الموقعة على الاتفاقيات الدولية كافة اتخاذ إجراءات عقابية واضحة ضد دولة الاحتلال لإلزامها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية.

2. نتقدم إلى منظمة الصحة العالمية والمنابر الصحية الدولية لاتخاذ إجراءات عقابية واضحة بحق دولة الاحتلال لعدم انصياعها لإرادة المجتمع الدولي في حماية المرضى والمنشآت والعاملين في الصحة وتوفير الإمدادات الطبية المختلفة.
 
3. نتوجه إلى الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الطفل تطبيق الالتزامات المعلنة بحماية حقوق جميع الأطفال دون تمييز، والتوقف عن انتهاك حقوق الأطفال الفلسطينيين وتطبيق توصيات لجنة حقوق الطفل الدولية فيما يتعلق بانطباق الاتفاقية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

4. الدعوة لمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية الصحية، بما فيها نقابة الأطباء الإسرائيلية، والتي تمارس التغطية الفاضحة على حكومة الاحتلال في القتل والتدمير للعاملين وللمنشآت، الصحية، بما فها الحط بكرامة الإنسان الفلسطيني الأسير في حالة حاجته للخدمات الطبية الإسرائيلية.

5. الاستجابة الفورية لرفع الحصار الدولي الظالم عن الشعب الفلسطيني لوقف الكارثة الصحية والإنسانية، وما تضمنه البيان العاجل لمنظمة الصحة العالمية والعديد من الوكالات الدولية لوقف تدهور الحالة الصحية والفقر والتلوث يشكل أهمة قصوى.


وعلى المستوى الوطني

إن الأمن والصحة مترابطان، والصحة العامة منفعة وطنية إنسانية، ما يتطلب الصراحة والمساءلة لحماية أمننا الصحي من جهة، وكحكومة جديدة بما فيها المؤسسات الأهلية من جهة أخرى،

1. وبمقدورنا عمل الكثير من أجل حماية واحترام وتطبيق حقوق الأطفال الفلسطينيين ، وخاصة تفعيل إصدار لائحة تنفيذية لقانون الطفل الفلسطيني وتحديد نطاق المسؤوليات ، وأهمية سن قانون قضاء الأحداث، فالأطفال عنوان للمستقبل والفرح والأمل، فهي مرحلة نمائية بذاتها.

2. توفر الإرادة السياسية لدعم الأمن الصحي للمواطن.

3. تفعيل السياسات الصحية والتخطيط والمعلومات والبحث الصحي.

4. تعزيز إطار المساءلة والشفافية والعدالة، وتطوير النظام الإداري والتدريب لوزارة الصحة.

5. ضمان توفر الأنظمة والبرامج للكشف المبكر عن الأمراض الوبائية والمعدية والمزمنة، بما فيها الأورام، وتعزيز نظام الرصد الوبائي.

6. الاستجابة الفورية لحقوق العاملين في الصحة والتعليم، وخاصة دفع مستحقاتهم من الرواتب، لوقف تدهور وانهيار النظام الصحي والتعليمي.

7. تعزيز آليات التنسيق بين كافة العاملين في الصحة لمواجهة التحديات ، ولتعظيم الدور الصحي الوطني.
وأخيرا ً، دون نظام صحي وطني يشارك فيه الجميع، ويحظى بدعم وإسناد الجهات التشريعية وأصحاب القرار ومؤسسات العمل الأهلي العاملة في الصحة، ووضع خطة صحية وطنية (إستراتيجية) تستجيب لشعب تحت الاحتلال، فإن الأساس لقيام النظام الصحي وتعزيز الأمن الصحي كجزء من الأمن الداخلي وسيادة القانون يصبح في خطر، فليكن "الاستثمار في الصحة لبناء مستقبل أكثر أمنا".

 

 
 

عودة لصفحة المقالات