cv Told About news visitors contact us
الحوار والوحدة الخيار الممكن والواقعي

د. أحمد المسلماني


كشفت الإدارة الامريكية عن طبيعة مطلبها بدمقرطة دول المنطقة بعد أن لم تكتف برفض نتائج انتخابات جرت في ظل احتلال في فلسطين، بل أصرت على فرض حصار يشجع أطرافاً محلية على رفض النتائج، أي على رفض الديمقراطية إذا لم تكن في صالحها. وهو حصار يشجع على الاقتتال ، فالحصار عقاب على فعل مكروه والإغراء المالي مكافأة على فعل آخر مرغوب.

وإذا جرى تفسير عمل «حماس» بالانقلابي، فإن المراسيم التي تلته تشكل انقلابا سياسياً فعليا على نتائج الانتخابات. والمصيبة أن القوى التي قطعت مع حماس تماماً بعد صدور «المراسيم»، ودفعت باتجاه التصعيد، وهي قوى تختفي وتنزوي غير راضية في أيام الوحدة وتزدهر في ايام الشقاق، باتت تراهن على تشديد الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة ورفعه عن الضفة في إطار مقارنة فلسطينية ممكنة بين نموذج ناجح في تقديم الخدمات للسكان وتلقي الدعم المالي من الخارج، ونموذج محاصر وفاشل في غزة، يتميز بأنه يرفض الشروط الإسرائيلية ويدفع ثمن ذلك.

لقد تم منذ اتفاقيات أوسلو تغليف ما تبقى من الشعب الفلسطيني في غيتوات خلف جدران على أرضهم وفي وطنهم، كأنهم جسم غريب ترفضه إسرائيل فتفرز غشاء يغلفه. الجسم الغريب هو الذي يرفض الجسم الأصيل، وكأن الفلسطينيين في وعي الناس هم جماعة، أقلية سكانية تطالب بحقوقها مثل حرية الحركة والصحة وحق البيع والشراء وتلقي المعونات الغذائية والادوية... وبموجب ذلك تفصل الآن غزة عن الضفة، فنظام الأخيرة يستحق هذه «الحقوق»، أما الأولى فلا. وكلاهما رعايا عند إسرائيل. وفي المقابل تنهار حالة اللجوء والشتات الفلسطيني إلى ما نراه في العراق ولبنان من دون تنظيم يمثلها ويرعاها.

في ضوء هذه المعادلات والتوازنات وأبعادها المباشرة وغير المباشرة ستجد القوى السياسية الفلسطينية نفسها، وخاصة حركتي فتح وحماس، أمام خيار واحد ووحيد: العودة إلى طاولة الحوار الوطني والاتفاق مع القوى الأخرى على أساس برنامج سياسي إجتماعي مشترك وبما يحفظ لكل طرف مكانته ودوره، وبما يحمي ثوابت القضية الفلسطينية، فهذا انهيار معنوي وأخلاقي لا يمكن تبريره بأي براغماتية سياسية. والمسألة حاليا مسألة إرادات، فإما أن يتوجه الفلسطينيون القوى والاحزاب وممثلي المجتمع، بمن فيهم فتح و حماس، نحو الحوار والوحدة في إطار منظمة التحرير وغيرها من المؤسسات، وإما الانهيار الشامل. إن ما يجري من انحلال وأصوليات متقابلة هو من مظاهر فقدان حركة التحرر الوطني من دون ان تصبح دولة، ومن مظاهر الصراع داخل معسكر اعتقال محاصر.

آن الأوان للمجتمع الدولي لكي يتحلى هذا المجتمع بأطرافه المختلفة بالجرأة والشجاعة لوقف الرهان على تبني الإملاءات الإسرائيلية، وأن يتخذ كافة الإجراءات والمواقف التي تفرض إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق قرارات الشرعية الدولية نصّا وروحا، هذا هو الخيار الممكن والواقعي، أما الاستمرار في تأمين الغطاء لسياسات إسرائيل العدوانية واعتبار كل ما تقوم به هو مجرد دفاع عن النفس، ومواصلة الرهان على أن السلام الممكن هو الرضوخ الكامل للمشروع الأمريكي- الإسرائيلي وشروطه، فإن ذلك لن يعني إلا نتيجة واحدة مزيدا من اشعال المنطقة.

 

 
 

عودة لصفحة المقالات